الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
152
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمعنى : لأنهم أصحاب النار ، فيكون ضمير أَنَّهُمْ عائدا إلى جميع ما ذكر قبله من قوم نوح والأحزاب من بعدهم ومن الذين كفروا . وقرأ الجمهور كَلِمَةُ رَبِّكَ بالإفراد . وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر بصيغة الجمع ، والإفراد هنا مساو للجمع لأن المراد به الجنس بقرينة أن الضمير المجرور ب ( على ) تعلق بفعل حَقَّتْ وهو ضمير جمع فلا جرم أن تكون الكلمة جنسا صادقا بالمتعدد بحسب تعدد أزمان كلمات الوعيد وتعدد الأمم المتوعّدة . [ 7 ] [ سورة غافر ( 40 ) : آية 7 ] الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ( 7 ) استئناف ابتدائي اقتضاه الانتقال من ذكر الوعيد المؤذن بذم الذين كفروا إلى ذكر الثناء على المؤمنين ، فإن الكلام الجاري على ألسنة الملائكة مثل الكلام الجاري على ألسنة الرسل إذ الجميع من وحي اللّه ، والمناسبة المضادّة بين الحالين والمقالين . ويجوز أن يكون استئنافا بيانيا ناشئا عن وعيد المجادلين في آيات اللّه أن يسأل سائل عن حال الذين لا يجادلون في آيات اللّه فآمنوا بها . وخص في هذه الآية طائفة من الملائكة موصوفة بأوصاف تقتضي رفعة شأنهم تذرعا من ذلك إلى التنويه بشأن المؤمنين الذين تستغفر لهم هذه الطائفة الشريفة من الملائكة ، وإلا فإن اللّه قد أسند مثل هذا الاستغفار لعموم الملائكة في قوله في سورة الشورى [ 5 ] وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أي من المؤمنين بقرينة قوله فيها بعده : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ [ الشورى : 6 ] . و الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ هم الموكّلون برفع العرش المحيط بالسماوات وهو أعظم السماوات ، ولذلك أضيف إلى اللّه في قوله تعالى : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ [ الحاقة : 17 ] . و مَنْ حَوْلَهُ طائفة من الملائكة تحفّ بالعرش تحقيقا لعظمته قال تعالى : وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [ الزمر : 75 ] ، ولا حاجة إلى الخوض في عددهم وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [ المدثر : 31 ] . والإخبار عن صنفي الملائكة بأنهم يسبحون ويؤمنون به ؛ توطئة وتمهيد للإخبار عنهم